العلاقة التكاملية بين حل المشكلات و التفكير الإبداعي في الرياضيات

بالنظر إلى قائمة أهداف تدريس الرياضيات لأي من المراحل الدراسية ، نجد أن غالبية تلك الأهداف تهتم بالأنشطة المختلفة لحل المشكلات؛ ذلك لأن حل المشكلات يُعد عنصرا مهماً وأساسيا في الرياضيات المدرسية. كما أن اكتساب الطلبة لإجراءات حل المشكلة بصفة عامة يُعد هدفاً مهماً وجوهرياً للفرد وللمجتمع، حيث يعد تدريس حل المشكلات من الأركان الرئيسة لتدريس الرياضيات، والذي يمكن بواسطته استخدام طرق التفكير المختلفة، كما أن ذلك يساعد في تكامل استخدام المعلومات وطرق التفكير ونقل التعلم إلى سياقات أخرى.

ويمكن تعريف حل المشكلات على أنها عملية تفكير مركبة تتضمن استخدام معظم مهارات التفكير، وفق خطوات منطقية متسلسلة ومنهجية بهدف التوصل إلى أفضل الحلول للخروج من مأزق أو وضع مغلق باتجاه هدف مطلوب أو مرغوب. ويُعد اكتساب مهارات التفكير الإبداعي من أهم الأهداف التربوية الحديثة، حيث إن تربية الطلبة المبدعين وتعليمهم في الدول المتقدمة كان من العوامل الأساسية التي أدت إلى التقدم العلمي والاقتصادي في العصر الحالي، فلا توجد عادةً حدود فاصلة حادة بين التفكير وحل المشكلات؛ لأن نشاطات حل المشكلة تمثل عمليات التفكير ذاتها، كما أن هذه النشاطات هي التي تُمكّنهم من الاستدلال على التفكير، لذلك يمكن استخدام مصطلحي التفكير وحل المشكلات على نحو ترادفي؛ لتداخل النشاطات المعرفية المتعلقة بهما.

ويلعب التفكير دورًا كبيرًا في حل المشكلات، حيث تأتي أهمية الربط بين التفكير الإبداعي و حل المشكلات من كَون الحضارات تقوم على الإبداع في حل مشاكلها العامة والخاصة، بالإضافة إلى أن حل مشاكل العالم يحتاج إلى حلول مبتكرة وذكية لتحقيق التقدم المنشود للحضارة العالمية، وعادة ما تجمع نماذج حل المشكلات بين التدريب على خطوات حل المشكلات والتفكير الإبداعي.

فهناك علاقة واضحة إذن بين التفكير الإبداعي كنمط من أنماط التفكير ومهارات حل المشكلات في الرياضيات؛ لأن العمل الرياضياتي الحقيقي يكمن في القدرة على الإبداع من خلال الملاحظة والاختيار والتجريد ومحاولة التعليل والتعميم وغيرها من العمليات العقلية ، وليست العمليات الحسابية فحسب.

والتفكير الإبداعي في الرياضيات يحتاج إلى عدد من المهارات قد يختلف في بعضها عما يحتاجه الإبداع في العلوم الطبيعية؛ حيث تتمثل هذه المهارات في: شد انتباه الطالب إلى المسارات التفكيرية السارية في جسم النظرية أو المفهوم أو القاعدة الرياضياتية، وكيفية استخلاص النظريات والمفاهيم الرياضياتية من مقدماتها ومعطياتها، وكيفية إنتاج علاقات جديدة في ضوء المفاهيم والمسلمات والتعميمات الرياضياتية، وهذا كله يؤكد أن ثمة علاقة بين التفكير الإبداعي ومهارات حل المشكلة في الرياضيات.

لذلك فإنه من الضروري تنمية التفكير الإبداعي في الرياضيات؛ لأنه يساعد في التوصل إلى مكوّنات البنية المعرفية من حقائق ومفاهيم وتعميمات وقواعد وقوانين ونظريات، والتي تساهم بدورها في حل المشكلات الرياضياتية. كذلك فإنه يمكن تنمية التفكير الإبداعي من خلال توجيه انتباه الطلبة إلى تحديد المشكلات والمسائل المطروحة، وتكليف الطلبة بأنشطة على شكل قضايا تتطلب الانتباه وتتحدى التفكير.

وهو ما يتطلب من المعلم العمل على تنمية مهارات حل المشكلات ومهارات التفكير الإبداعي لدى الطلبة، من خلال تزويدهم بمواقف حل المشكلات المتنوعة، وبالمهام والمهارات التي تتطلب التفكير الإبداعي، كما أن على المعلم أن يُعطي الفرصة للطلبة لصياغة المشكلات من المواقف المقدمة لهم لابتكار مشكلات جديدة يساهمون في إيجاد الحلول لها، بحيث تكون هذه المشكلات في مستوى قدراتهم العقلية و المعرفية.

وباستعراض مجموعة من النماذج التي تجمع بين التفكير الإبداعي وحل المشكلات نجد التداخل الحادث في تلك النماذج، حيث أن حوالي سبعة من نماذج حل المشكلات تعتمد على التفكير الإبداعي، وهو ما يوضحه (Howley & et. al, 1986) في الشكل التالي:

وهذا يعزز الحديث عن العلاقة التكاملية بين حل المشكلات والتفكير الإبداعي، حيث يقودنا هذا الارتباط إلى الحديث عن التفكير الإبداعي وقدراته المتعددة، ففي ضوء كثرة المشكلات التي نشأت من التقدم العلمي، وفي ظل الانفتاح والعولمة وما تفرضه من تحديات كثيرة ومتنوعة، تبرز أهمية التفكير الإبداعي والاهتمام به على مستوى المؤسسات التعليمية، حيث لم يعد هدف العملية التعليمية في ضوء تلك المتغيرات المتسارعة إكساب الطلبة المعارف فقط، بل يتعداها إلى تنمية قدراتهم على التفكير الإبداعي والتعامل بوعي مع المعلومات المتسارعة، وهو ما يتطلب من المؤسسات التعليمية أن تمنح موضوع تعليم التفكير الإبداعي أهمية بالغة؛ لأن الغاية من تعليم التفكير الإبداعي هو رسم معالم جديدة أمام الطلبة ليزدادوا اقتناعاً بالمعلومات التي تتوفر لهم ويعملوا على تعزيزها وتطويرها ليتحقق مبدأ التعلم الذي نريده.

وعليه فإن الإبداع والتأمل يمثلان أحد الأهداف الرئيسة التي من خلالها يحقق الطلبة ذاتهم، حيث يسعى الطلبة في تعلمهم إلى تحقيق هذه الحاجات التي ترتبط بقدراتهم ومهاراتهم الخاصة، ويتم إشباع حاجاتهم بشكل إيجابي من خلال المشاركة والمساهمة في البحوث والأنشطة التي تنمي التفكير الإبداعي. حيث أشارت بعض الدراسات في هذا المجال إلى وجود علاقة قوية بين التفوق والتفكير الإبداعي.

ولعل من العوامل التي تساعد في تنمية الإبداع لدى الطلبة ما يأتي:

  1. التخلص من الاعتماد على اكتساب الطلبة للمعرفة العلمية وحدها دون اكتساب المهارة في التفكير الإبداعي؛ لأن المعرفة وحدها لا تُغني عن التفكير ولا يمكن الاستفادة منها دون تفكير إبداعي يدعمها.
  2. إتاحة الفرصة أمام الطلبة ليكون لهم دور إيجابي في حل مشكلاتهم الخاصة بدلاً من تقديم حلول جاهزة لهم.
  3. تدريب الطلبة على إدراك المشكلات من جميع جوانبها، وافتراض الحلول المناسبة لها وتقييمها بطريقة موضوعية ومتنوعة، ومحاولة وضعها حيّز التنفيذ.
  4. إتاحة الفرصة أمام الطلبة للبحث والتجريب واكتشاف الأشياء ومعرفة البيئة المحيطة بهم، وممارسة الأنشطة المتنوعة التي تُظهر مهاراتهم الإبداعية.
  5. إثارة اهتمام الطلبة بالمشكلات الحياتية المرتبطة بالواقع المحيط والإحساس بها، وإثارة حماسهم ودافعيتهم للبحث فيها وتقديم حلول متنوعة جديدة ومناسبة لها.
  6. تشجيع الطلبة على الاهتمام بممارسة الأنشطة الإبداعية وتذوقها.
  7. مواجهة الطلبة بأنشطة وتدريبات تساعد في تنمية خيالهم العلمي، والذي يساعد بدوره في تنمية الإبداع لديهم.
  8. تنمية قدرة الطلبة على الملاحظة العلمية الدقيقة للأشياء وتفسيرها، واختبار هذه التفسيرات والتحقق منها.
  9. إتاحة الفرصة أمام الطلبة لممارسة مهارات اتخاذ القرار وحل المشكلات والقيام بالمبادرات المتنوعة، بما قد يساعدهم في مواجهة المستقبل الذي يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، بأساليب جديدة ومتنوعة تتناسب وطبيعة الواقع الحالي الذي يعيش فيه الطلبة.
  10. تدريب الطلبة على الصبر والمثابرة والمواصلة في التعامل مع المواقف المتنوعة وتقديم الحلول المناسبة للمشكلات دون الشعور بالقصور والملل.

لذلك فإنه لابد من السعي للوصول بالطالب إلى السلوك المتفوق (Gifted Behavior)، وهو كما أشار إليه (Renzulli) ذلك السلوك الناتج عن تفاعل ثلاثة تجمعات (المستوى فوق المتوسط، الإبداع، الاجتهاد والمثابرة)، وهذا ما يوضحه الشكل الآتي:

هذا ومن المتفق عليه أن ما من عمل تعليمي أو تعلمي عن الإبداع والإنجاز المرتفع إلا وله هدف تنموي؛ بمعنى أن دارسي الإبداع سواء درسوه كخصائص للفرد، أو كملامح لنشاط اجتماعي يتم في وسط اجتماعي ميسر للإبداع أو درسوه كنتاج إبداعي، تكون أعينهم دائماً منصبة نحو التطبيقات التنشيئية والتربوية من أجل النهوض بالفرد وتنمية الجماعة في آن واحد، وهذا ما يؤكده اتجاه العالم في تبني سياسة رعاية الإبداع.

المؤلف
د/ هاني عبدالقادر الأغا
المصدر
المصدر
إغلاق